|
موقع عروس البحر |
التصوف الإسلامي
لو سألت أحد المتدينين لماذا يصلي ويصوم ويقوم بمختلف شعائر الدين لأجاب بأنه يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله عز وجل وطمعا في جنة فيها من النعيم والخيرات مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر, وإذا سألته لماذا هو يتجنب المحرمات لأجاب ليتقي غضب الله وحتى لا يكون مصيره جهنم بما فيها من صنوف العذاب خالدا فيها ما شاء الله . وهذا صحيح, ولكن المسألة هنا أصبحت مسألة تجارة بين الإنسان وربه , (ولا عيب في ذلك,) فإذا عملت واجبك فالجنة لك , وإذا لم تعمله فالنار في انتظارك , ونجد في القران الكريم ما يشير صراحة إلى هذه التجارة كقوله عز من قائل:( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.) صدق الله العظيم . التوبة 111.
وفي الآخرة توزن أعمال الشخص , فالأعمال الطيبة في كفة والأخرى في الكفة ا لمقابلة , فالعملية إذا هي عملية بيع وشراء, ( ولا عيب في ذلك كما أسلفنا.) ولهذا نجد من الناس من لم يوافق على هذا الأسلوب في التعبد, وإذا جماعة منهم تقرر أنها تعبد الله وتتبع أوامره لوجهه سبحانه, لاطمعا في جنة ولا خوفا من نار, وأنها تحب الله لذاته دون انتظار ثواب ولا رهبة من عقاب, فأعمالها وتعبداتها نابعة من حبها الخالص للخالق, وليس تحت تأثير الوعد والوعيد ولا الترغيب ولا الترهيب. هذه الجماعة هي لتي نسميها بالمتصوفة.
ويأتي المتصوفة بالمثال التالي: لنفرض أنه اجتمع حبيب وحبيبته في حجرة, وكانت معهما أم هذه الحبيبة, فاحتمالات تصرف الحبيب في هذه لحالة هي كما يلي:
1- أنه يصب جام غضبه ولعناته على ألام المسكينة طوال الوقت ولا يلتفت للحبيبة.
2- أو أنه تارة يلعن ألام وتارة يغازل الحبيبة , فلا هو انصرف كلية لشتم ألام ولا لمغازلة الحبيبة .
3- وإما أنه يركز انتباهه للحبيبة ومغازلتها ولا يلتفت للام ولا يجعل لها اعتبارا.
فالمحب هنا هو الإنسان . والمحبوب هو الله, والعزول هو الجنة أو النار أو الدنيا , فالشخص إذا ما التفت إلى جنة أو نار لما أصبح حبه خالصا لله , بل تكون قد دخلته بعض الشوائب , وهذا مالا يرضاه الصوفي. ويملا حب الله نفس المتصوف وجوانحه حتى لا يبقى موضع في قلوبهم لحب أو كراهية أي شيء أخر , وقد سألت يوما المتصوفة رابعة العدوية إن كانت تكره الشيطان الذي طالما غواها , فأجابت بأن حبها لله ملا قلبها فلا موضع فيه لكره الشيطان.
ظهور المتصوفة:
وقد بدأ ظهور المتصوفة وعرفوا بهذا الاسم في خلال القرن الثاني للهجرة , ففي هذا الوقت بدأ الناس في الجري وراء شهواتهم وغرائزهم , وإهمال دينهم, والاهتمام بالدنيا ونسيان الآخرة , وكرد فعل لهذا أمعن الناس المتدينون في تدينهم, وانصرفوا لدينهم كل الانصراف وبالغوا في الزهد في الدنيا وزخرفها وابتعدوا عن الناس وعرفوا بالمتصوفة .
تسميتهم :
وأما عن سبب تسميتهم بهذا الاسم فقد اختلفت فيه الآراء, فمن قائل يقول أن أصل كلمة متصوف من الصفاء, فالمتصوف هو من صفا قلبه لله عز وجل فهو صوفي, ومن قائل يقول أن أصل كلمة صوفي من كلمة (SOPHIE) اليونانية بمعنى الحكمة, ومن قائل بأن كلمة متصوف مشتقة من الصوف, فمن لبس الصوف جاء اسم الصوفي, فتقشف المتصوفة قادهم إلى لبس أخشن الثياب في ذلك الوقت وهو الصوف, ولكن المعترضين على هذا الاشتقاق الأخير يقولون أنه لو كان كل من لبس الصوف أصبح صوفي , إذن فكل الخرفان متصوفة 000 وعلى الرغم من هذا الاعتراض فأغلب الآراء متجهة إلى القول باحتمال اشتقاق كلمة ا لصوفي من الصوف.
مذهب التصوف:
ولو حاولنا دراسة التصوف لوجب علينا أن نتتبع سيرة كل متصوف, إذ أن لكل منهم رأيه الخاص في المسائل التي تثار بينهم, ولكل منهم نظرته الخاصة للحياة, ويمكننا القول أن لكل منهم مذهبه الخاص , وان كانوا يشتركون في الزهد في الدنيا ويشتركون في حب الله خالصا لوجهه وفي بعض النظريات والآراء التي سيتطرق لها الكلام في حينه إنشاء المولى عز وجل, ومما زاد في صعوبة دراسة التصوف أننا نجد كتاب المتصوفين وشعرائهم عند كتابتهم لأرائهم ونظرياتهم , نجدهم إلى جانب إطالتهم في الكتابة وإسرافهم في الطول, فهم يتعمدون الكتابة بالرموز والألغاز واستخدام أصعب وأعقد الأساليب وذلك ضنا منهم بها أن يقرأها كل من هب ودب, وأيضا لاتقاء غضب العامة وأولي الأمر لما في كلامهم من غرابة وغموض قد يفسرها من لا يفهم فحواها على أنها كفر وزندقة وذلك كما حدث للحلاج مثلا, وسيأتي ذكره في موضعه إنشاء الله, وكما حدث لأحد المتصوفة عندما خاطب جمهور من الناس فقال: انتم وما تعبدون تحت قدمي هذه, وفهم الناس أنه يقصد الله فقتلوه في موضعه, في حين أنه كان يقصد أنهم يعبدون المال والجاه.
وقبل أن أبدأ في شرح بعض أراء ونظريات التصوف أود أن أوكد أن التصوف لم يوجد لتأخذ به كل الناس , أو على الأصح ليس في استطاعة كل شخص أن يصبح صوفي, وذلك لما تتطلبه هذه الطريقة في الحياة من قوة جبارة وصلابة وعزيمة وصدق في النية وزهد في الدنيا, وما تتطلبه من نكران للذات ومشاق لا ترتاح لها نفوس أغلب خلق الله لما جبلت عليه من حب للدنيا وحب للراحة والدعة وأطايب الحياة.
وقبل كل شيء وقبل أن أبدأ في عرض أهم نظريات التصوف وهي نظرية وحدة الوجود, أود أن القي هذا السؤال الفلسفي: وهو أنه لا شك في أن الله سبحانه قوي قادر على كل شيء , وان أراد شيء فإنما يقول له كن فيكن, وطبعا ليس هناك شيء يعجز عنه مهما بلغت صعوبته, فهل يستطيع الله سبحانه أن يخلق صخرة كبيرة الوزن والحجم لدرجة أن الله نفسه يعجز عن تحريكها من مكانها؟ لو ألقينا هذا السؤال على أي شخص عادي لتلعثم وحار ولا يعرف كيف يجيب{ كما حدث لي عندما سمعته من أحد المتصوفة أول مرة} فلو قال نعم لكان معنى ذلك أن الله خلق شيئا يعجز هو عن تحريكه , أي أنه عجز عن فعل شيء وهذا طبعا محال, ولو قال لا لكان معنى ذلك أن الله عجز عن فعل شيء وهذا أيضا محال, ولكننا لو ألقينا هذا السؤال على أحد المتصوفة لابتسم وأجاب على هذا السؤال بكل بساطة. فالصوفي يقول أننا في سؤالنا هذا قد وضعنا الله سبحانه في جهة والصخرة التي نريده أن يخلقها في جهة أخرى وهذا محال, فالله سبحانه واسع موجود في كل مكان , ولا يخلو منه مكان ولو قيد أنملة أو أقل في هذا الكون الفسيح , فالله والكون يقول الصوفي هو وحدة واحدة , والله أكبر , وبالتالي فلا معنى لسؤالنا هذا, وهذه هي ملامح نظرية وحدة الوجود أهم نظريات التصوف.
وهناك نظرية أخري منتشرة عند المتصوفة وان اختلفوا في مدى تبينهم لها وتعمقهم فيها وهي مبدأ الحلول أو الإحلال, وملخصها أن الله سبحانه يمكن أن يتقمص جسد أحد الأشخاص فيكون هذا الشخص بشرا والاها معا!!! ولكن وان كان الله سبحانه وتعالى قادر على كل شيْ فهو ليس في حاجة لذلك .
وقد كان هناك بعض المتصوفة الذين غالوا في هذا المبدأ لدرجة أن ادعوا أن الله سبحانه قد تقمصهم وطلبوا من أتباعهم أن يعاملوهم ويخاطبوهم على هذا الأساس !!!بل وحتى أن يعبدوهم!!! وقد وجد هؤلاء من صدقهم وتبعهم لغاية في نفس يعقوب, وقد كان مصير هؤلاء الأدعياء القتل طبعا أحيانا على أيدي عامة الناس وأحيانا أخرى بأمر من الحاكم , وكانت هذه الادعاءات تعتبر من شطحات المتصوفة وان كانت شطحاتهم ليست كلها سواء ومثل هذه الشطحات التي يدعي فيها شخص عاقل وبكامل قواه العقلية بأنه الله ويطلب من أتباعه أن يعبدوه عاقبتها القتل كما ذكرنا.
ولمزيد من عرض مبادئ ونظريات المتصوفة سوف نورد قريبا إنشاء الله أمثلة من سيرة بعض المتصوفة المشهورين مثل ابن عربي والحلاج وغيرهم فتابعونا ....