عروس البحر
خواطر طرابلسية:
جمعتنا جلسة ذات مساء مجموعة من الأصدقاء نتحادث ونتشاكى يؤلمنا ما يحدث لإخواننا في فلسطين المجاهدة , وكان معنا احد الإخوة المثقفين المطلعين علي تاريخ العروبة والإسلام , فأخذ يسرد علينا بعض ما يدور في خلده من أفكار ليسري عنا ويسلينا , فقال:
يا إخوان إن مصيبتنا نحن العرب هي في حكامنا. وما حدث ويحدث لنا فسببه في الدرجة الأولي هم بعض الحكام,فالكثير منهم يهتم أول وثاني وثالث ورابع وخامس ما يهتم بوضعه هو شخصيا في السلطة ومدي إحكام سيطرته وتوفير كل ما يلزم لإدامة فترة حكمه أطول مدة ممكنة وإذا أمكن إلي الأبد, وإذا رجعنا إلي التاريخ مثل ضياع الأندلس , ونكبة فلسطين وغيرها من النكبات وحللنا أسبابها لوجدنا إن حكامنا وتكالبهم علي السلطة واهتمامهم بوضعهم الشخصي في الحكم هو أهم سبب , وكمثال علي ذلك قال: فقد حدث إثناء جهاد البطل صلاح الدين الأيوبي ضد الصليبيين أن فكر بان يطلب المساعدة من سلطان المغرب , بان يبعث أسطوله القوي لقطع الإمدادات التي تبعث إلي الصليبيين في المشرق عن طريق البحر, فصلاح الدين لم يكن لديه أسطول, والمغرب كان له وقتها أسطول لابأس به, ولكن الذي حدث فان سلطان المغرب رفض مد يد المساعدة بحجة إن صلاح الدين لم يخاطبه في رسالته التي بعث بها ا ليه مع احد وزرائه بلقب أمير المؤمنين! مع انه إذا كان يعتبر نفسه أميرا للمؤمنين لكان لزاما عليه المشاركة في معركة تحرير القدس دون الدعوة من احد! إما السبب الحقيقي لرفضه فكانت الأحقاد الدفينة التي يكنها الأمويون في المغرب تجاه العباسيين في المشرق! وكأن بيت المقدس ومكة والمدينة هي أماكن تخص العباسيين وحدهم! وهناك العديد من مثل هذه الأمثلة مع الأسف. اما القلة من الحكام المخلصين فليس في مقدورهم لوحدهم فعل شيْ , مالم تتوحد الجهود مجتمعة , فهذا أمر لا تستطيع دولة لوحدها ( أو اثنتان أو أكثر ) إن تنهض به.
وتابع أخونا سرد أفكاره فقال:
ويحضرني في هذه المناسبة ما قرأته يوما في كتاب لأحد المستشرقين الأجانب (لا أتذكر ألان اسمه) يتحدث فيها عن الظاهرة الإسلامية, وكيف انتشرت الفتوحات الإسلامية من مغارب الأرض إلي مشارقها في وقت قياسي لا يتعدى المائة سنة! , وهو ما لم يحدث شيْ مثله لا قبله ولا بعده. وفي تحليل هذا المستشرق لهذه ا لظاهرة يقول في كتابه ( بتصرف): إذا حللنا هذه الظاهرة نجد لها ثلاث أسباب رئيسية وهي :
السبب الأول: وهو الإنسان العربي نفسه وما اشتهر به من شجاعة ونخوة وشهامة وكرم وحسن ضيافة ومساعدة الملهوف والمستجير وعزة نفس .
السبب الثاني: يقول المستشرق إن الإنسان العربي كان موجودا منذ القدم فلماذا لم ينجز ما أنجزه في الفتوحات الإسلامية؟ إذن فالطبيعة والصفات التي حباه الله بها ليست كافية لوحدها لتفسر هذه الظاهرة ولكن أيضا ظهور الإسلام وما تحلي به من قيم إنسانية وأخلاقية ودينيه رفيعة (لم تصل البشرية لما يساويها حتى ألان علي الرغم مما تتبجح به ا لحضارة الغربية)وحثه علي الجهاد في سبيل الله والذي وحد العرب جميعا تحت لواءه .
السبب الثالث: وهناك سبب ثالث مهم عندما كان متوفرا ساد العرب في العالم وعندما غاب غاب كل شيء , وإذا عاد عاد العرب للسؤدد من جديد, فالعرب ما زالوا كما هم لم يتغيروا والإسلام ما زال بخير إما السبب الثالث الذي غاب فهو وجود الحاكم المخلص الحكيم الشجاع الذي يمكنه جمع العرب تحت راية واحدة ليقودهم إلي النصر أو الشهادة وهم متأكدين من إخلاصه وحكمته , ففي صدر الإسلام حبا الله العرب بمثل هؤلاء القادة فملكوا العالم وعندما غاب مثل هؤلاء غاب العرب عن الساحة , وكمثال علي ذلك فعندما ظهر البطل الناصر صلاح الدين حارب بنفس الجنود الذين كانوا منهزمين فهو لم يأت بجيش من الخارج فبوجوده انتصر العرب علي أعدائهم بعد طول هزائم بسبب الحكام . رزقنا الله بقائد مثل القادة الأوائل لنصرة الحق والدين واسترداد ما اغتصب وإعلاء كلمة الله ولو كره المشركون. أمين.![]()
بالإضافة إلى حكامنا سبب هزائمنا والكوارث التي حلت بنا منذ ضياع الأندلس إلى كل المصائب التي ألمت بأمتنا هناك فئة مهمة أخري في مجتمعاتنا
كانت ومازالت أيضا تساهم بشكل مميز في تأخرنا وانحطاطنا وهزيمتنا وهم بعض شيوخنا وعلماء الدين عندنا , فعلى مر العصور ابتلينا بمشايخ باعوا نفسهم مع الأسف للشيطان وتحالفوا مع الحكام جريا وراء المناصب والمكاسب المادية فتناسوا دينهم والمسؤوليات الملقاة على عواتقهم بوصفهم رجال دين من المفروض أن يكونوا أكثر الناس حرصا على مصلحة الناس والدين وأصبحوا يلهثون وراء المنفعة الشخصية والمكاسب المادية ولو على حساب أمتهم وأخرتهم , والأمثلة كثيرة جدا مع الأسف في الماضي والحاضر , ففي الحاضر نشاهد الكثير منهم يفتون وينادون بما يريده الحاكم , وفي الماضي كذلك حتى لو كان الحاكم مستعمر أجنبي دخيل, ففي طرابلس الغرب مثلا وخلال فترة الاستعمار الإيطالي وعندما اعتزم موسوليني زيارة طرابلس لأول مرة بعد توليه حكم ايطاليا شكلت لجنة لتنظيم الاحتفالات الشعبية بمقدم الزعيم القائد المفدى البطل موسوليني !!! وكان رئيس هذه اللجنة مفتى ليبيا !! وعند وصول الزعيم موسوليني لطرابلس ( أقيمت الاحتفالات لتكون مثل احتفالات دخول الإمبراطور الروماني القديم للبلاد بعد فتحها ويكون عبور الإمبراطور لقوس النصر في تلك البلاد عند غروب الشمس تماما لذلك قام الطليان بصنع اضائة كهربائية قوية لكي تنشر على طرابلس ضوء يحاكي ضوء غروب الشمس حتى تبقى لحظة غروب الشمس المدة التي يحتاجها الإمبراطور ا لجديد موسوليني لإنهاء مراسم الاحتفالات في طرابلس ) وكانت احتفالات كبيرة قام أثنائها موسوليني بإلقاء خطبة عصماء عن مجد روما العظيمة وعن بقاء ليبيا تابعة لايطاليا مدى الدهر وفي ختام الاحتفالات قام فضيلة المفتي بإطلاق لقب حامي الإسلام على الزعيم موسوليني وأهداه سيف اسماه سيف الإسلام وقد فرح الزعيم جدا بهذا اللقب وهذا السيف وله صور وتماثيل عديدة وهو راكب حصانه وشاهرا سيف الإسلام أللذي أهداه إياه مفتي ليبيا والذي بمقتضاه أصبح موسوليني حاميا للمسلمين والإسلام !!
هذا مثال واحد فقط عن أفعال شيوخنا سامحهم الله
| للعودة للصفحة التراثية | للعودة للصفحة الرئيسية | للعودة للصفحة المنوعة | |
| سجل زوار الموقع | الصفحة الدينية | الصفحة الاجتماعية | أخبر صديقك عن موقعنا |