عروس البحر |
كتاب ( ذكريات في نصف قرن من الأحداث الاجتماعية والسياسية) لمؤلفه الهادي إبراهيم المشيرقي.
حول المذكرات.
من أهم ملامح تاريخ النضال الليبي انه ظل تاريخا لم يدون فالأمجاد التي كتبت بالدماء والتضحيات والبطولات التي قلما نجد لها نظيرا في التاريخ البشري كانت وما تزال بانتظار من يدونها بالكلمات لتبقى خالدة على مدى دورة العصور فتكون نبراسا وقدوة للأجيال القادمة ويكون ذلك وفاء لبعض ما علينا من واجب نحو الأجداد . وتبقى هذه حاجة لا تضاهيها إلا الحاجة إلى تسجيل صورة الاستعمار الذي خيم على الأرض الليبية من خلال حقيقته ومخازيه وتلك الصفحات المشينة التي سجلها مسلكه الوحشي على مدى أربعة عقود بشعة من الزمن.
وتطل مذكرات الهادي المشيرقي فتحاول أن تجلو بعض تلك المراحل من التاريخ العربي الليبي وتساهم بالكثير في تعريفنا بما عايشته البلاد وعانته خلال سني الغزو الأجنبي والوجوه التي اتخذتها الحركة النضالية على امتداد فترة الاستعمارين = الإيطالي والإنجليزي.
وصاحب المذكرات الأستاذ الهادي إبراهيم ا لمشيرقي واحد من مواطني مدينة طرابلس الذين تصدوا للظلم والاستعمار خلال حقبة طويلة من الزمن, اتسم سلوكه خلالها بالوطنية الصادقة, التي كانت من النوع الناشط الفعال الذي يحول الأيمان إلى فعالية دائمة وقد تيسرت له الأسباب المادية التي ضاعفت من امكاناته ونشاطه النضالي ووسعت من دائرة نشاطه, فمكنته من الحركة والسفر والترحال وهو يحمل معه قضية بلاده ومن الاتصال بكثير من الشخصيات ذات الصلة بالقضية الليبية وهو ما يضيف إلى مذكراته بعدا جديدا وأهمية كبرى فإذا كان صاحب المذكرات هو بطلها ( على نحو ما هكذا الأمر في أدب المذكرات)فان هذا البطل يحتجب في كثير من الأحيان ليضع في دائرة الضؤ شخصيات كثيرة هامة عايشت القضية الليبية , وكرست الكثير من جهدها وحياتها لإنجاح هذه القضية .
والمسرح الأساسي لهذه المذكرات هو مدينة طرابلس وضواحيها وهي التي قضى المؤلف حياته فيها وعايش أحداثها وشهد تطوراتها النضالية والسياسية والاجتماعية والعمرانية وعكس الكثير من ذلك في مذكراته , غير إن ذلك المسرح ينفسح في كثير من الأحيان ليشمل مدنا عربية أخرى سافر إليها المؤلف وعكس اتصالها بالقضية الليبية , فظهرت في المذكرات مدن الإسكندرية وتونس ودمشق وبيروت وحلب والقدس وحيفا , يواكبها تصوير لمشاهدات المؤلف لهذه المدن وتأملات حولها وهو ما يضمن وجود شيْ من (الوثائقية) التاريخية الاجتماعية حول هذه المدن خلال فترات معينة من الثلث الأول من القرن العشرون, إلا أن المحور الأساسي الذي تمتد إليه جميع خيوط الأحداث في المذكرات هو القضية الليبية أو ليبيا من خلال نضالها في سبيل التحرر من الاستعمار.
اما الفترة الزمنية فتتحدد في المذكرات بين سنة 1917 وسنة 1952 وهي تبدأ بلوحات سريعة فسن طفولة المؤلف وذكرياته الأولى لمشاهد من حياة المدينة تحت ثقل الغزو الأجنبي وتنتهي بمحنة الانتخابات التي خاضتها البلاد سنة 1952 وما رافقها من قمع وعسف وتزوير وهو ما أدى الىصدامات مكشوفة بين الشعب والحكومة العميلة انتهت بسقوط عديد من الشهداء وكما توجت بإخراج بشير السعداوي من البلاد . ويضع المؤلف النقطة الأخيرة لمذكراته نقد هذه الحادثة وكأنما ليشير إلى أنها تنتهي عند عتبة مرحلة جديدة من الصراع النضالي كان علي الشعب أن يخوضه لا ضد الاستعمار بل ضد الحكومة ألوطنيه العميلة.
ومن المعروف أن هذه الفترة الزمنية التي تتناولها المذكرات واحدة من أهم مراحل التاريخ وأكثرنا خطورة , تعرضت البلاد خلالها لأشد أشكال الممارسات الاستعمارية قسوة ووحشية , وقد تعرض المؤلف لهذه الصور المختلفة من الممارسات الاستعمارية سواء منها ما كان ينفذ مباشرة وبالصورة البشعة التي عرفت خاصة عن الاستعمار الإيطالي أو ما كانت تنفذ بطريقة أكثر *حضارية*
والتي عرفت عن الاستعمار الإنجليزي في مراحله الأخيرة.
وهكذا نلتقي لديه بصورة الابادة الجماعية وتنفيذ حكم الإعدام بالمجاهدين وسلب ممتلكات المواطنين وحرمان الأهالي من العمل والتوظيف وتوطين الأجانب بالقوة مثلما نلتقي بحرمان أبناء البلاد من تعلم لغتهم الأم وما يهتم به الغزاة من بث الإشاعات وإثارة النعرات والحزازات بين أبناء البلاد ومحاباة الأجانب واليهود وهو في ذلك كله يقدم أمثلته من واقع الممارسة الاستعمارية التى عاشتها بلاد كان صاحب المذكرات أحد مواطنيها الفعالين الذين يعيشون أحداث البلاد اليومية .
ولهذا ينجح في تحليله في كثير من المرات لطبيعة الاستعمار الواحدة رغم تبدل الوجوه والأقنعة ويبرهن عن طريق الحقائق والأحداث التي عاشها شخصيا أو عاشتها البلاد, فان الإنجليز عندما دخلوا ليبيا فإنما دخلوها ليحلوا محل الطليان وأن إدريس لم يكن إلا دمية في أيديهم لا يمثل إلا واجهة هشة يتصرف الاستعمار خلفها أو من خلالها على هواه , كما يبين أن من تعاقبوا علي كرسي الحكم من الأجانب لم يكونوا يهدفون إلا إلى هدف استعماري واحد سواء حملوا اسم بالبو أو ميلر أو بلاكلي أو تكلموا بالإيطالية أو بالإنجليزية.
وتتضح هذه أيضا في حديث المؤلف عن مشاهداته لصور المسلك الاستعماري في تونس والجزائر ووحدة ذلك المسلك مع ما كان يشاهده في طرابلس ويبين من خلال ممارساته الشخصية أو من خلال الأحداث التي وقعت لبعض المجاهدين أن فرنسا التى كانت تظهر في الأواسط الدولية بأنها عدوة لايطاليا ما كانت تتردد أيضا في تسليمها جميع المجاهدين والمناضلين الذين كانوا ينجحون أحيانا في الخروج من ليبيا والوصول إلى تونس , وكنت ايطاليا بعد ذلك تنفذ فيهم أحكامها الجائرة , وتتعمق تأملات المؤلف في طبيعة الاستعمار عندما يتكلم عن عرض القضية الليبية في المحافل الدولية بدءا من مجلس الصلح وانتهاء بمنظمة الأمم المتحدة .
ومقابل هذه اللوحة تظهر أمام المؤلف لوحات مختلفة في جهاد ونضال المجاهدين وتصديهم للظلم , فتظهر لديه صور المجابهة المسلحة مع العدو وصور النضال السلمي خلال فترات الاستقرار والحياة التي تعيشها البلاد تحت الكابوس الاستعماري فيبين كيف كانوا يتحايلون من أجل دراسة العربية وكيف كانوا يعملون من أجل الوصول إلى معرفة الأخبار الصحيحة وكيف يتناقلونها ثم كيف تنظم الاجتماعات والمظاهرات وتشكل النوادي وتصاغ المنشورات السرية وتهيأ المتفجرات , وكيف يتم الاتصال بالسجون والمساجين وتجمع التبرعات وكيف يتم الرد على الأكاذيب الاستعمارية وغير ذلك ومن أهم النقاط التى أكد عليها المؤلف نضال الليبيين في المهجر سواء في مصر أو الشام أو في تونس , ومن خلال ذلك تظهر بكثير من التفصيلية صورة بشير السعداوي كما تظهر صورة الطاهر الزاوي وأحمد زارم وعبد الرحمن دقدق وكثيرين آخرين .
ولعل أطرف ما في أدب المذكرات عادة هو أنه يتعرض للجوانب التي تهملها الدراسات التاريخية الصارمة التي تبحث عن الخطوط العامة العريضة التي تسير الأحداث وتهتم دوما بالأسباب والنتائج , وقد نجحت مذكرات المشيرقي إلى حد بعيد في عرض تلك الصفحة المهملة من حياة البلاد خلال العهد الاستعماري فقدمت الكيفية التي تجري بها الحياة اليومية في ظل الاستعمار وتحدث عن عادات الناس وعن مسيرة يومهم واهتماماتهم الصغيرة والكبيرة وعلاقاتهم بالسلطة الاستعمارية وعلاقتها بهم كما تناولت قضايا الاستعمار والأزمات الاقتصادية وماكان يحاول الاستعمار من بث للتفرقة وكيف كان يحابي العناصر غير العربية في البلاد فكانت المذكرات بهذه الصفة تمثل لونا من ألوان الوثيقة الاجتماعية الهامة عن حياة الطرابلسيين خلال تلك المرحلة , على أن أهم ما صورته المذكرات هو التطلع الدائم لدى الجميع نحو المستقبل المشرق وتعطشهم الدائم إلى فجر الحرية ونشاطهم في سبيل ذلك, وهكذا برزت على صفحات مذكراته أسماء عدد من كبار المناضلين اللذين قلما انتبهت إليهم كتب أخرى كأسماء أحمد عويدان ومصطفي حسن بك وعمر مالك وصالح عمار وعشرات من الأسماء الأخرى كما دونت ولأول مرة اهتمامات بعض الصحفيين ورجال الفكر العربي بالقضية الليبية كالشاذلي الاقليبي وتيسير ظبيان وأحمد حسن الزيات ومحمد على الطاهر وسواهم .
وعلاوة على المذكرات التى كتبها المؤلف فقد تقدم بعدد كبير من الوثائق التي تناولت هذه الفترة المصيرية من حياة الأمة كوثائق مواكبة لهذه المذكرات ومن بينها بعض المنشورات السرية التي كانت تصدر خلال فترة الإدارة العسكرية البريطانية وعدد يتناول إنشاء الأحزاب وبرامجها واتجاهاتها المختلفة وهي وثائق ذات أهمية تاريخية كبرى, كما أن هناك مجموعة من الرسائل والبرقيات التي وجهها صاحب المذكرات في حينه إلى رؤساء الوفود المختلفة التى كانت تشارك في تقرير مصير القضية الليبية وتقف منها موقف التأييد أو المعارضة وهي في مجموعها تظهر الروح الوطنية لدى صاحبها كما تبين صورة المد والجزر الذي كانت تتعرض له تلك القضية , والرسائل بمجموعها كتبت بأسلوب مؤثر جذاب.
الدكتور عماد الدين حاتم
يتبع........
| عودة للصفحة التراثية | عودة للصفحة الرئيسية | أخبر صديقك | للبحث في الموقع | ابعث لنا رسالة |